الخطيب الشربيني
609
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أي : شديد البرد والصوت والعصوف حتى كانت تجهد البدن ببردها فتكون كأنها تصره أي : تجمعه في موضع واحد فتمنعه التصرف بقوتها وتقطع القلب بصوتها فتقهر شجاعته وتمحق بشدة بردها كل ما مرت عليه ، وقوله تعالى : فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ أي : مشؤومات جمع نحسة ، وقرأ ابن عامر والكوفيون بكسر الحاء من نحس نحسا نقيض سعد سعدا فهو نحس والباقون بسكونها فهو إما مخفف نحس أو صفة على فعل أو وصف بمصدر قال الضحاك : أمسك الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين وكانت الريح عليهم من غير مطر ، روي أن الأيام كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء قال البيضاوي : وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء . وعن عبد الله بن عباس أنه قال : الرياح ثمان : أربع منها عذاب : وهي العاصفة والصرصر والعقيم والقاصف ، وأربع منها رحمة : وهي المبشرات والناشرات والمرسلات والذاريات ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ، وفعلنا ذلك بهم لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ أي : الذل والهوان فِي الْحَياةِ الدُّنْيا كما استكبروا في الأرض بغير الحق فيذبلوا عند من تعظموا عليه في الدار التي اغتروا بها فتعظموا فيها ، فإن ذلك أدل على القدرة عند من تقيد بالوهم وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أي : الذي أعد للمتكبرين في الآخرة بغير الحق أَخْزى أي : أشد إهانة ، وهو في الأصل صفة المعذب ، وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ أي : لا يوجد ولا يتجدد لهم نصر أبدا بوجه من الوجوه . ولما أنهى تعالى أمر صاعقة عاد ، شرع في بيان صاعقة ثمود فقال تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ وهم قوم صالح عليه السّلام فَهَدَيْناهُمْ أي : بينا لهم طريق الهدى من أنا قادرون على البعث وعلى كل شيء فلا شريك لنا ، وكان بيان ذلك بالناقة غاية البيان فأبصروا ذلك بأبصارهم التي هي سبب إبصار بصائرهم غاية الإبصار ، فكرهوا ذلك لما يلزمه من تركهم طريق آبائهم وأقبلوا على لزوم طريق آبائهم فَاسْتَحَبُّوا أي : اختاروا الْعَمى أي : الكفر عَلَى الْهُدى أي : الإيمان ، قال القشيري قيل : إنهم آمنوا وصدقوا ثم ارتدوا وكذبوا فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستبدال . فإن قيل : أليس معنى هديته حصلت فيه الهدى والدليل عليه قولك : هديته فاهتدى ، وبمعنى تحصيل البغية وحصولها كما تقول ردعته فارتدع ، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة ؟ أجيب : بأنه لما مكنهم وأزاح عللهم ولم يبق لهم عذرا ولا علة فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها . فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ أي : بسبب ذلك أخذ قهر وهوان الْهُونِ أي : ذي الهوان وهو الذي يهينهم بِما كانُوا أي : دائما يَكْسِبُونَ أي : من شركهم وتكذيبهم صالحا عليه السّلام . ولما أنهى الله تعالى الخبر عن الكافرين من الفريقين أتبعه الخبر عن مؤمنيهم بشارة لمن اتبع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ونذارة لمن صد عنه فقال تعالى : وَنَجَّيْنَا أي : تنجية عظيمة بما لنا من القدرة الَّذِينَ آمَنُوا أي : أوجدوا هذا الوصف من الفريقين وَكانُوا أي : كونا عظيما يَتَّقُونَ أي : يتجدد لهم هذا الوصف في كل حركة وسكون فلا يقدمون على شيء بغير دليل ، فإن قيل : كيف يجوز للنبي صلّى اللّه عليه وسلم أن ينذر قومه مثل صاعقة عاد وثمود مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمته ، وقد صرح تعالى بذلك فقال عز من قائل : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ [ الأنفال : 33 ] .